عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

197

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

إذ كان هو لا يمسه . فأقدم عليه أعرابي يوما ، ولم يعرف سيرة أصحابنا فيه ، فلم يرض بأكل لحمه حتى تعرق « 1 » عظمه . فقال له المغيرة : يا هذا ، تطالب عظام هذا الجدي بذحل « 2 » ؟ هل نطحتك أمه ؟ قال الأعرابي : وأبيك انك لشفيق عليه ، هل أرضعتك أمه « 3 » ؟ » . وكان لزياد بن عبد اللّه الحارثي « 4 » جدي لا يمسه أحد فعشى في شهر رمضان قوما فيهم أشعب ، فعرض أشعب يوما للجدي من بين القوم ، فقال زياد حين رفعت المائدة : أما لأهل السجن امام يصلي بهم ؟ قالوا : لا ، قال : فليصل بهم أشعب ، قال أشعب : أو غير ذلك أيها الأمير ؟ قال : وما هو ؟ قال : لا آكل لحم جدي أبدا « 5 » . ومن هذه الطرائف أيضا ما حدث مع عبد اللّه العرضي وقد أمر أن يوضع الجدي على المائدة للزينة فقط ولكن الشوّاء أفسد عليه الخطة حين أحكم انضاجه « لقد ضرب الشواء ثمانين سوطا لمكان الانضاج . وذلك أنه قال له : ضع الجدي في التنور حين نضع الخوان ، حتى أستبطئك أنا في انضاجه ، وتقول أنت : بقي قليل . ثم تجيؤنا به وكأني قد أعجلتك . فإذا وضع بين أيديهم غير منضج احتسبت عليهم بإحضار الجدي فإذا لم يأكلوه أعدته إلى التنور ثم أحضرتناه الغد باردا ، فيقوم الجدي الواحد مقام جديين . فجاء به الشواء يوما نضيجا فعمل فيه القوم . فجلده ثمانين جلدة ، جلد القاذف الحرة » . ولعل القصة التالية أيضا تصور هذه الحياة المزيّفة التي عاشها الناس في جو من التعاظم والتفاخر الكاذب فيما يتعلق بشؤون طعامهم . فقد « حكي عن رجل أنه قال : مررت ببعض طرقات الكوفة ، فإذا رجل يخاصم جارا له . فقلت : ما بالكما تتخاصمان ؟

--> ( 1 ) تعرق العظم : أخذ ما عليه من لحم . ( 2 ) الذحل : الثأر . ( 3 ) البخلاء : ص 143 . ( 4 ) زياد بن عبد اللّه الحارثي : هو زياد بن صالح الحارثي من أمراء الدولة المروانية وأحد القادة الشجعان ، كان والي الكوفة عند قيام دولة العباسيين في خراسان والعراق . فخرج عليهم في ما وراء النهر . وجد أبو مسلم الخراساني في طلبه فقتله الدهقان وحمل رأسه إلى أبي مسلم . ت . سنة 135 ه . ( 5 ) البخلاء : ص 55 . ( 5 ) عيون الأخبار : ج 3 - ص 260 .